الآلوسي
57
تفسير الآلوسي
وإن كان يؤيد فهو أفعل ومعناه ومعنى أيد واحد ، وقيل : معناه بالمد القوة وبالتشديد النصر وهما - كما قيل - متقاربان لأن النصر قوة . * ( برُوح الْقُدس ) * أي جبريل عليه السلام أو الكلام الذي يحيى به الدين ويكون سبباً للطهر عن أوضار الآثام أو تحيى بها الموتى أو النفوس حياة أبدية أو نفس روحه عليه السلام حيث أظهرها سبحانه وتعالى روحاً مقدسة طاهرة مشرقة نورانية علوية ، وكون هذا التأييد نعمة عليه عليه الصلاة والسلام مما لا خفاء فيه ، وأما كونه نعمة على والدته فلما ترتب عليه من براءتها مما نسب إليها وحاشاها وغير ذلك . * ( تُكَلِّمُ النَّاسَ في الْمَهْد ) * أي طفلاً صغيراً ، وما في النظم الكريم أبلغ من التصريح بالطفولية وأولى لأن الصغير يسمى طفلاً إلى أن يبلغ الحلم فلذا عدل عنه ، والظرف في موضع الحال من ضمير * ( تكلم ) * . وجوز أن يكون ظرفاً للفعل . والجملة إما استئناف مبين لتأييده عليه الصلاة والسلام أو في موضع الحال من الضمير المنصوب في * ( أيدتك ) * كما قال أبو البقاء . والمهد معروف . وعن الحسن أن المراد به حجر أمه عليهما السلام ، وأنكر النصارى كلامه عليه الصلاة والسلام في المهد وقالوا إنما تكلم عليه السلام أوان ما يتكلم الصبيان وقد تقدم مع جوابه . وقوله تعالى : * ( وَكَهْلاً ) * للإيذان على ما قيل بعدم تفاوت كلامه عليه الصلاة والسلام طفولية وكهولة لا لأن كلا منهما آية فإن التكلم في الكهولة معهود من كل أحد . وقال الإمام : إن الثاني أيضاً معجزة مستقلة لأن المراد تكلم الناس في الطفولية وفي الكهولة حين تنزل من السماء لأنه عليه الصلاة والسلام حين رفع لم يكن كهلاً . وهذا مبني على تفسير الكهل بمن وخطه الشيب ورأيت له بجالة أو من جاوز أربعاً وثلاثين سنة إلى إحدى وخمسين وعيسى عليه الصلاة والسلام رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين قيل وثلاثة أشهر وثلاثة أيام . وقيل : رفع وهو ابن أربع وثلاثين وما صح أنه عليه الصلاة والسلام وخطه الشيب ، وأما لو فسر بمن جاوز الثلاثين فلا يتأتى هذا القول كما لا يخفى . وقال بعض : الأولى أن يجعل * ( وكهلا ) * تشبيهاً بليغاً أي تكلمهم كائناً في المهد وكائناً كالكهل . وأنت تعلم أن أخذ التشبيه من العطف لا وجه له وتقدير الكاف تكلف . * ( وَإذْ عَلَّمْتُكَ ) * عطف على * ( إذ أيدتك ) * أي واذكر نعمتي عليكما وقت تعليمي لك من غير معلم * ( الْكتَابَ وَالْحكْمَةَ ) * أي جنسهما ، وقيل : الكتاب الخط والحكمة الكلام المحكم الصواب * ( وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجيلَ ) * خصا بالذكر إظهاراً لشرفهما على الأول . * ( وَإذْ تَخْلُقُ ) * أي تصور * ( منَ الطِّين ) * أي جنسه * ( كَهَيْئَة الطَّيْر ) * أي هيئة مثل هيئته * ( بإذْني فَتَنْفُخُ فيهَا ) * أي في تلك الهيئة المشبهة * ( فَتَكُونُ ) * بعد نفخك من غير تراخ * ( طَيْراً بإذْني ) * أي حيواناً يطير كسائر الطيور وقرأ نافع ويعقوب * ( طائراً ) * وهو إما اسم مفرد وإما اسم جمع كباقر وسامر . * ( وَتُبْرئُ الأَكْمَه والأَبْرَصَ بإذْني ) * عطف على * ( تخلق ) * وقوله سبحانه : * ( وَإذْ تُخْرجُ الْمَوْتَى بإذْني ) * عطف على * ( إذ تخلق ) * أعيدت فيه " إذ " كما قيل لكون إخراج الموتى من قبورهم لا سيما بعد ما صاروا رميماً معجزة